أحمد ياسوف
273
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ولا يتماسك ، بل هو مضطرب النّسج مبتذل المعنى مستهلك من جهتيه » « 1 » . فليس يتوضح معنى الاضطراب والتماسك والاستهلاك ، وهو الأديب الذي ينثر صفحات في تأمل آية واحدة ، فالإجمال لا يقتصر على القدامى . لقد نبذ التعبير القرآني جانبا قيود القافية الشعرية الموحّدة ، والوزن الواحد الذي يبعث أحيانا على الرّتابة ، خصوصا إذا نظرنا إلى تلوّن إيقاع القرآن مع تلوّن المواضيع ، وإضافة إلى هذا لا تكون الفاصلة قلقة ، بل توافق بنيتها المعنى المقصود تماما إذا كان المعنى يتمتّع بأكثر من صيغة مثل « قادر ومقتدر » و « غافر وغفّار » وعال وأعلى ، وقد اعتمد إيقاع التكرار ، وأحيانا نجد لازمة موسيقية مثل فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [ الرحمن : 13 ] ، وتبدو عنصر تنبيه وإمتاع معا ، فقد تكررت هذه اللازمة في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة فالقرآن نظام صوتي حرّ وجديد . تصور بعضهم قربه من الشعر ، كما رأى المشركون ، وقرّبه بعض المحدثين من النّثر ، والحق أن الشبه الظاهري الذي يذكره الأقدمون بين القرآن والشعر غير تام ، فرتابة الوزن استعيض عنها بإيقاع يبعث على الراحة في مكان ، وعلى الانفعال القوي في مكان آخر ، وقد تجسدت المشاعر في طول الآيات وقصرها ، وهذا الشبه الظاهريّ الناقص ليس وحيدا في تهمة الشعر ، بل السبب الأقوى هو العناد ، إنما استغلّوا هذه الطريقة في القرآن لدعواهم الباطلة . ومن مظاهر حرية الفاصلة أنها حرة موسيقيا مقيدة بالمعنى ، وقد تجاوزت أسسا كثيرة من أسس فنّ القافية ، كوحدة حركة الحرف الذي يسبق الرّدف ، أي الحذو ، واختلاف سناد التوجيه أي حركة الحرف
--> ( 1 ) إعجاز القرآن ، الرافعي ، ص / 175 .